حيدر حب الله
592
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
والغريب أنّ بعضنا يريد أن يصفّي حسابه مع الأحياء فيقوم بتدمير حُرُمات الأموات كي يسقط الأحياء التابعون لهم تبعاً لسقوطهم ، بل أحياناً يسعون لتدمير بعض الأفكار ؛ لأنّ في وجودها منفعةً الخصوم فلا بدّ من تدمير الخصوم ، ولهذا ندمّر تلك الأفكار التي تقوم عروشهم عليها ، هذه مأساة حقيقيّة وعظيمة في الأمّة . ولا يعني التسقيط مطلق النقد ، بل قد دعونا وندعو دوماً لنقد كلّ الكبار بلا استثناء ، مستخدمين الطرق العلميّة والأخلاقية والأصول المهنيّة للبحث ، فليس هناك من هو مصونٌ من النقد حتى كبار مراجع الدين ، وما يريده لنا البعض من تحريم نقد العلماء والحوزات والمرجعيّات مرفوضٌ جملة وتفصيلًا ، ومن يحرّم النقد فعليه أن لا يخطأ ، أمّا أن يخطأ وتكثر أخطاؤه ثم يتوقع أن يظلّ الصمت قائماً فهو واهم ، بل سيجني ما اكتسبه وسيرى أمامه تقصيره وتهاونه واستخفافه بالناس والنخب وانتقاداتهم ، وسيأتي يوم عليه لا ينفع فيه الندم حيث لم تعد النصائح لتؤثر . لكنّ النقد شيء والتسقيط شيء آخر ؛ لأنّ التسقيط في دوافعه وأهدافه وأسلوبه ومنهجه وآلياته مختلفٌ عن مطلق النقد ، إنّه محاولة اغتيال غير جسديّة تسعى لحذف هذا الشخص أو ذاك من الوجود وتبديد قوّته وبقائه وحضوره وجمهوره وغير ذلك ، بأسلوب لا يحكي عن إشفاق وحرص بقدر ما يحكي عن تشفٍّ وانتقام ، إلى حدّ أنّه لا يجوز ذكره في أيّ مكان ، ذلك كلّه لنبني عروشنا - مع الأسف - على جماجم غيرنا ، بدل أن نبنيها على جهودنا وإمكاناتنا ومنجزاتنا وتجاربنا . نحن نرفض بشدّة هذا المنطق ، وليست المشكلة في حوزةٍ هنا أو أخرى هناك ،